الشيخ محمد رشيد رضا

208

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ( 192 ) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 193 ) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ * * * وردت هذه الآيات في الاذن بالقتال للمحرمين في الأشهر الحرم إذا فوجئوا بالقتال بغيا وعدوانا . فهي متصلة بما قبلها أتم الاتصال لان الآية السابقة بينت ان الأهلة مواقيت للناس في عباداتهم ومعاملاتهم عامة وفي الحج خاصة . وهو في اشهر هلالية مخصوصة كان القتال فيها محرما في الجاهلية . وأخرج الواحدي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ان هذه الآية نزلت في صلح الحديبية ، وذلك ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صدّ عن الميت ثم صالحه المشركون فرضي على أن يرجع عامه القابل ويخلوا له مكة ثلاثة أيام يطوف ويفعل ما يشاء . فلما كان العام القابل تجهز هو وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا ان لا تفي لهم قريش وأن يصدوهم عن المسجد الحرام بالقوة ويقاتلوهم ، وكره أصحابه قتالهم في الحرم والشهر الحرام ، فأنزل اللّه تعالى وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ يقول أيها المؤمنون الذين تخافون أن يمنعكم مشركو مكة عن زيارة بيت اللّه والاعتمار فيه نكثا منهم للعهد وفتنة لكم في الدين ، وتكرهون أن تدافعوا عن أنفسكم بقتالهم في الاحرام والشهر الحرام ، إنني أذنت لكم في القتال على أنه دفاع في سبيل اللّه للتمكن من عبادته في بيته ، وتربية لمن يفتنكم عن دينكم وينكث عهدكم ، لا لحظوظ النفس وأهوائها ، والضراوة بحب التسافك ، فقاتلوا في هذه السبيل الشريفة من يقاتلكم وَلا تَعْتَدُوا بالقتال فتبدأوهم - ولا في القتال فتقتلوا من لا يقاتل كالنساء والصبيان والشيوخ والمرضى أو من ألقى إليكم السلم وكف عن حربكم - ولا بغير ذلك من أنواع الاعتداء كالتخريب وقطع الأشجار ، وقد قالوا إن الفعل المنفي يفيد العموم .